عدالة السماء مع ولد النور
كتب اللواء محمود شيت الخطاب رحمه الله كتابه الماتع (عدالة الس

كتب اللواء محمود شيت الخطاب رحمه الله كتابه الماتع (عدالة السماء) وتحت هذا العنوان أورد نوادر من القصص الواقعية التي عاقبت فيها القدرة الإلهية عصاة من الظلمة ومردة من أهل العقوق أو جازت فيها آخرين من أهل البر والإحسان.
وكأن واحدة من هذه القصص أخرها الله عن الكتاب لأرويها لكم بلسان القلم - حسب تعبير الأديب الطنطاوي رحمه الله -، روى لي أخي الأكبر عبد الله الحاج الشيخ حفظه الله نزيل الخريبكة بالمغرب، هذه القصة عن العلم الوجيه الاجتماعي ماء العينين النور رحمه الله رحمة واسعة، يقول عبد الله حدثني ماء العينين فقال :
بعد استقلال موريتانيا ورثت من أحد الراحلين إليها دارا وسط مدينة الدار البيضاء غالية الثمن، عزيزة الموقع، فسيحة الحائط، يقول وقد حزتها كموظف للدولة لي الحق في السكن، لكن صاحبي غادر على عجل قبل نقل تبعيتها إليّ فكنت أسكن بدون أوراق حيازة رسمية، ومع الزمن بدأت بعض الدوائر الحكومية تنتبه لقيمة الدار وموقعها والهشاشة القانونية لحيازتها.. لكن تهيب الموظفين لي كصاحب علاقة مع القصر جعلهم يتجنبون اقتحامها وإصدار الأمر لي بمغادرتها وكنت قد خصصت الجزء الأكبر منها لضيافة الموريتانيين وخصوصا مرضاهم وأصحاب العوز منهم ..
وقد درجت تقاليد المملكة المغربية المتوارثة على احترام الساكن وعدم الجرأة على إخراجه هكذا إلى الشارع تحت أي طائل ..
إلا أنه مع الزمن أسالت الدار لعاب بعض المتنفذين والسماسرة الطامحين لها ككنز عقاري نادر الموقع غالي القيمة لم يطور بعد عقاريا فبدأ بعضهم يرسم في مخيلته غبار الدار وقد نسف منها الأساس وتأسست موقعها ناطحة سحاب زجاجية تضمن دخلا مريحا تأمينا له ولأسره إلى يوم القيامة !!
لكن الشيخ الجواد كان يفكر في تأمين ما بعد الدنيا والإحسان للضعفة والمساكين فهذه الدار تأوي مشردهم وتعالج مريضهم وهو خير كان الشيخ يئن فرقا من انقطاعه، أوصله الأمر إلى الهروب من الدار في أوقات معينة والاختباء من عون السلطة كي لا يستلم إنذار الخروج وأمر الإخلاء ..
وفي يوم من الأيام صلى الضحى مستخيرا وتوكل على الحي الذي لا يموت ثم قرر الذهاب إلى عامل صاحب الجلالة ( الوالي) كي يشكو إليه بعد الله حاله وحال ضيوفه وعياله بعد عقود من الخدمة العمومية، وصل الشيخ فناء العمالة وبخطو متثاقل اجتاز الدرج يحمل هموم أهل الدار وهواجس التشرد دلف إلى الكاتب سأل السكرتير الشيخ عن الصفة التي تؤهله لطلب مقابلة العامل ؟
فأدخل الشيخ يده الذاوية التي نحتتها الأيام وأرهقها العطاء وأضناها التربيت على المرضى والمساكين .. أدخلها في خُرجه فاستل منه بعسر محفظة عتيقة فيها كومة من الأوراق عفا عليها الزمن وفيها بقايا من خط قديم تهجَّاه الموظف بعسر فإذا به ينطق جملة بها صفة وزير مفوض سابق بالخارجية فقال ما شاء الله مندهشا ثم انطلق نحو العامل وأخبره بأن وزيرا ينتظر سعادتك!
انطلق الوالي مسرعا نحو الشيخ وبمجرد رؤيته هش له وبش ورحب وأكبر وأحسن في التقديم وأثنى على القادم وبالغ في الترحاب ..
كان السكرتير يعتذر عن كل ما صدر من العامل مقابل صفة الوزير!
ثم طلب الوالي من الشيخ الإذن له بخدمته في أي أمر يستطيعه العامل، شكر الشيخ الوالي، ثم شرح قصة الدار وحالة ما يعانية من بعض الأعوان حيث تحولت حياته لهذه المطاردة التي لم يعد يقوى عليها، صرخ الوالي في السكرتير طالبا إحضار الموظفين أصحاب الاختصاص في ملكية الدار وحيازتها ثم أعطاهم أمرا نافذا بإنهاء جميع إجراءات تسجيلها باسم الشيخ ودفع ما يترتب على ذلك من مخصصاته كوالي وتسليم الشيخ الأوراق كاملة محررة قبل السادسة والنصف من هذا المساء، ثم أردف الوالي أيها الشيخ هذه مهمة انتهت فما هي حاجتك بعدها قل لي رحمك الله أنا في خدمتك وتحت أوامرك رد الشيخ شاكرا منبهرا من هذا الكرم الغامر والترحاب الفياض ..
حيث سأل الوالي أنا لم أتعرف عليك!
أجاب الوالي أو تذكر عندما جاءك رجل فقير وأنت يومها مسؤول عن الطلبة الموريتانيين والصحراويين فطلب منك وقد تلعثم لسانه وارتعد بناه قائلا هذا الصبي الذي معي نجيب يحب الدراسة لكنه معدِمُ الحال يتيم الأبوين وأنا عمه لا أقوى له على رعاية وإعالته أحرى عن دراستة فهل تشفع له وتأذن في إدخاله مع الطلاب الغرباء الذي انت مسؤول عنهم، يقول الوالي فأجبته هذا ما أبحث عنه وأتمنى رعايته فقد قال صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وسيكون عندنا صاحب الحظوة والرعاية وقد أعطيت أمرا بإسكانه في القسم الداخلي ماأتاح له السكن مع حسن الرعاية وكنت أنت تخصه بأعطيات نقدية وكان الجميع يهابه لأنك تهتم به وترعاه يضيف الوالي ذلك اليتيم يومها متقارب الأجزاء فارغ المعدة شارد البال مكسور الظهر أسود ما ينتظر من مستقبل الملتف في يد عم فقير ..
هو عامل صاحب الجلالة على الدار البيضاء صاحبة المنارة الحسنية والملايين الثمانية، إنه أنا الذي أجلس أمامك ولو قطعتُ مني لك الحلقوم ما وفيتك حقك ولا جازيت الذي كان من رعايتك وكريم تفضل!
وهذه البضاء تهديك منها قطعة مع الشكر على الرعاية التي أوليت واحداً من أبنائها كان بالإمكان أن يكون اليوم فيها قاطع طريق مرعب أو بائع مخدر مؤذ، وحالتي حالة مواهب في الأمة تحتاج من يأخذ بيدها ويخصها بالرعاية فتعطيكما أعطيت وتوفي لراعيها كما وفيت .
رحم الله الشيخ المنفق القائم الصائم التالي لكتاب الله ماء العينين ولد النور رحمة واسعة وتقبله في عباده الصالحين .
محمد غلام الحاج الشيخ