أذنت له والدته بالمشاركة وكسرت ذراعه.. مسار مشاركة ولد جدو بأسطول الصمود
الأخبار (نواكشوط) - يصف الإعلامي، وعضو الوفد الموريتاني المش

الأخبار (نواكشوط) - يصف الإعلامي، وعضو الوفد الموريتاني المشارك في أسطول الصمود الثاني أحمد ولد جدو مشاركته في الأسطول بأنها تحقيق لحلم، فعندما حاول اللحاق بالنسخة السابقة من الأسطول لم يوفق في ذلك، وحين أتيحت له فرصة المشاركة في النسخة الثانية، لم تعد المشاركة بالنسبة له خيارا قابلا للتردد.
يقول ولد جدو في حديث مع وكالة الأخبار المستقلة إن دوافعه كانت في "غاية البساطة: إنسان يرى جزءا من البشرية يباد أمام عينيه، وينكل به، ويقتل بالسلاح والتجويع والحصار، فلا يملك إلا أن يتحرك، أو على الأقل يحاول أن يفعل شيئا".
يضيف ولد جدو أن كل من يحتفظ بمشاعر يحس من خلالها بمعاناة البشر "يفترض أن يجد نفسه منخرطا في مبادرات من هذا النوع، لأن الأسطول كان تجمعا إنسانيا ضم أفكارا وأنماطا وأنساقا من البشر بهدف كسر الحصار المفروض على القطاع".
يروي ولد جدو للأخبار أنه لم يكن يتوقع نهاية مختلفة للرحلة، فمنذ اللحظة الأولى كان يدرك أنه يتجه نحو سلطة احتلال، لا نحو "واقع طبيعي أو فضاء تحكمه القوانين المعتادة"، لذلك لم يكن ما جرى لاحقا مفاجئا له بقدر ما كان امتدادا منطقيا لما توقعه منذ البداية.
بعد اكتمال وصول النشطاء المشاركين، غادر الأسطول ميناء مرمريس التركي في الرابع عشر من مايو، ومضت الأيام الأولى بهدوء نسبي، قبل أن يتبدد ذلك الهدوء فجر اليوم الخامس من الإبحار.
صبيحة الاعتراض
صبيحة خامس أيام الإبحار من مرمريس، بدأت الأنباء تتوارد عن اقتراب زوارق الاحتلال من السفن المشاركة، وما إن تأكدت المعلومات ورأى النشطاء زوارق الاحتلال حتى شرعوا في تطبيق بروتوكولات الاستعداد للاعتراض.
جلس المشاركون ينتظرون لحظة الاقتحام؛ ناقشوا كيفية التعامل مع الجنود، وارتدوا سترات النجاة، ثم ألقوا هواتفهم في البحر بعد اقتراب الزوارق من السفينة، بعدها اعتلت القوات سطح السفينة، وأصدرت أوامرها الأولى للمشاركين بالتوجه إلى مقدمتها والاستلقاء على البطن أرضا.
ثم توالت التعليمات - يستطرد ولد جدو - أُجبر النشطاء على التحرك على ركبهم إلى جزء آخر من السفينة، قبل أن يبدأ نقلهم فردا فردا إلى سفن الاحتجاز، بمرحلة "لم تكن سلسة، لكنها بدت عادية مقارنة بما سيأتي لاحقا".
يرجح ولد جدو أن السفينة التي كان على متنها هي الخامسة ضمن السفن التي استولى عليها الاحتلال، ويقول إنه كان الموقوف رقم: 47، إذ نقل مع بقية النشطاء إلى السجن الأولي، وهو عبارة عن "شاحنات معدنية" جرى احتجازهم داخلها لمدة يومين.
كانت الشاحنات وفق وصفه، أقرب إلى "صناديق حديدية مغلقة، لا فرش فيها ولا حواجز تفصل أجساد المحتجزين عن جدرانها المعدنية"، فإذا اشتد الحر تحولت إلى "خزانات للحر"، وإذا انخفضت درجات الحرارة تحولت إلى "مصدر إضافي للبرد".
قضى النشطاء يومين في تلك الظروف، قبل اكتمال عمليات السيطرة على بقية السفن وجُمع كل الموقوفين تمهيدا لنقلهم إلى ميناء أسدود.
يتحدث ولد جدو عن تلك المحطة من الاختطاف وآثار التنكيل ما تزال ظاهرة على جسده؛ دوائر داكنة خلفتها القيود على معصميه، وذراعه اليمنى، مع كسر ذراعه اليسرى.
رسالة الأسطول
رغم ظروف الاحتجاز، يذكر ولد جدو أن الأنشطة الجماعية داخل ساحات السجن الأولي لم تتوقف، كانت الشعارات تتردد بين حين وآخر، هي والأناشيد العربية، مع الصلوات بشكل جماعي.
لكن المشهد الذي ظل عالقا في وجدان ولد جدو ويذكره بفخر، هو حراسة الصلاة؛ فبينما كان المسلمون يؤدون صلاتهم، كان نشطاء غير مسلمين يشكلون طوقا بشريا حولهم لحمايتهم من مضايقات قوات الاحتلال.
ويرى ولد جدو أن تلك الصورة وحدها كانت كافية لاختصار حكاية الأسطول بأكملها؛ مسلمون يصلون، ونشطاء غير مسلمين يحرسونهم في الصلاة، وفي الجهة المقابلة يقف الاحتلال "معزولا عن الجميع".
لحظة كسر الذراع
حين بدأ نقل المحتجزين نحو ميناء أسدود، شرعت قوات الاحتلال في إخراجهم واحدا تلو الآخر، يؤكد ولد جدو أن الجميع تعرضوا لأشكال مختلفة من الاعتداء والتعنيف، وأن الفارق كان في حجم الضرر وطبيعته.
وحين جاء دوره للخروج من الشاحنة، أمسك جنديان بذراعه اليسرى ورفعاها بعنف شديد إلى الأعلى، في البداية لم يستوعب ما حدث، لكن الصوت الذي سمعه بوضوح كان كافيا لإزالة أي شك أن إصابته كانت كسرا للذراع.
بعد ذلك مباشرة، أُديرت الذراع المكسورة إلى الخلف، وقُيدت مع الذراع الأخرى خلف ظهره، مشددا على أنه لم يجد أي مبرر لما تعرض له، ولم يلحظ سببا يميزه عن بقية المحتجزين سوى الطريقة التي اختار بها الجنديان التعامل معه.
يضيف أن أحدهم وضع جواز سفره في يده السليمة قبل أن يرميه، فيما أجبر على مواصلة الحركة في وضعية شاقة، فالمحتجزون الذين كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم لم يكن أمامهم سوى الاستناد إلى جباههم أثناء الاستلقاء والتحرك، بينما كان وضع من قيدت أيديهم أمامهم أقل قسوة نسبيا.
رغم كسر الذراع، يؤكد ولد جدو أنه لم يشعر بالألم الذي توقعه، ويصف ذلك بأنه "لطف من الله عز وجل"، مكنه من تحمل الساعات التالية، التي أجبر خلالها المحتجزون على الاستماع لساعات طويلة إلى نشيد الاحتلال، قبل أن يؤمروا بالاستلقاء على بطونهم.
نقطة التفتيش
بعد انتهاء إجراءات التفتيش، استبدلت القيود البلاستيكية بأخرى حديدية، كما غيرت وضعية التقييد لتصبح اليدان أمام الجسد بدلا من خلفه.. ولاحقا نقل المحتجزون إلى عربات ترحيل مغلقة، مقيدي الأيدي والأرجل، في رحلة استمرت قرابة 6 ساعات باتجاه سجن النقب الصحراوي.
وعند الوصول إلى السجن، ينبه إلى أنه أدخل إلى مكتب خاص، حيث عاينه طبيب أكد بصورة قاطعة أن ذراعه مكسورة بالفعل، ووعده بتلقي العلاج، كما أزيلت عنه القيود وقضى ليلته الأولى دون تقييد.
يقول إن التحقيقات كانت محدودة للغاية، وإنه امتنع عن الإجابة على أسئلة المحققين بعد استشارة محاميته والتقيد بنصيحتها، قبل أن يخرج الاحتلال محتجزيه مجددا في عربات مغلقة دون أن يبلغهم بوجهتهم.
سيناريو مجهول
وفي غياب أي معلومات، يردف ولد جدو، أن الجميع انشغلوا بتخمين ما ينتظرهم، بعضهم رجح أن يكون الترحيل نحو الأردن، وآخرون تحدثوا عن مصر، بينما اعتقد فريق ثالث أنهم ما زالوا في مرحلة التقاضي ولم يصدر قرار نهائي بشأنهم.
وخلال الرحلة الطويلة، كان بعض الجالسين قرب نوافذ العربات الضيقة يحاولون استراق النظر إلى الخارج، ظهرت أسماء مناطق على اللافتات، بينها رفح، قبل أن تتوقف العربات أخيرا بعد ساعات من السير، عندها أكد لهم أحد المحتجزين أنهم وصلوا إلى مطار.
اتضحت الصورة، أزيلت القيود، وتقرر نقل المحتجزين إلى تركيا، لتبدأ الرحلة، ويوصي الطبيب الإيطالي المشارك في الأسطول المنظمين بضرورة تجهيز سيارة إسعاف لولد جدو فور الوصول، بسبب كسر ذراعه.
قبل دخوله غرفة العمليات، حاول ولد جدو التواصل مع ذويه، وهو ما لم يتم، ليتناسى الأمر بفعل تأثير التخدير تمهيدا لبدء العملية الجراحية.
وحين فتح عينيه من جديد، كان أول وجه رآه إلى جانبه وجه العلامة الشيخ محمد الحسن الددو، الذي قال إنه أجرى له اتصالا بوالدته، وإن تلك المكالمة مثلت بالنسبة له "لحظة خاصة" شعر خلالها بأن "المهمة قد اكتملت".
أما الإصابة وما رافقها من تنكيل، فلا يراها ولد جدو سوى تفاصيل عابرة أمام الغاية التي خرج من أجلها، لأن ما حدث - يضيف - هو جزء من تراكم طويل من أشكال التضامن مع غزة، بدأ بالبيانات، ثم الوقفات، فالمسيرات، فالقوافل، وصولا إلى الأساطيل، في مسار متصل يهدف إلى "إبقاء القضية حاضرة في الوعي العالمي".
جلَد الأم وإذنها
ورغم ما رافق التجربة من مخاطر، فإن أكثر ما كان يشغل ولد جدو خلال فترة الاحتجاز هو الاطمئنان على والدته، مردفا أن السجن والتوقيف ليسا أمرين جديدين على العائلة، وإن والدته عاشت تجربة مشابهة في ثمانينيات القرن الماضي عندما سجن والده مدة عام كامل وتعرض للتعذيب.
كانت شابة آنذاك، وعرفت عن قرب معنى انتظار السجين وترقب أخباره، لكن الفارق هذه المرة - يستطرد - كان كبيرا، فسجن "والدي كان داخل وطنه وبين أبناء شعبه، بينما أنا محتجز لدى الصهاينة، في ظروف مختلفة تماما، وفي مرحلة عمرية مختلفة بالنسبة لوالدتي التي هي أم".
يحرص ولد جدو على الإشارة إلى أنه لم يشارك في الأسطول إلا بعد علمها وموافقتها الصريحة، مؤكدا أنها لا تستطيع منعه من عمل تعتبره "جهدا نبيلا" هدفه المساهمة في كسر الحصار عن غزة، رغم ما يرافق ذلك من مخاطر.
المواطن السند
في مرحلة من الاحتجاز الأولى، جمع السجن ولد جدو بالمهندس إسلم ولد المعلوم، حيث كانت قوات الاحتلال تلقي للمحتجزين الخبز وقنينات المياه دون أكواب أو أدوات للشرب، ما كان يضطرهم إلى ابتكار وسائل بدائية لتقاسم الماء فيما بينهم، يعينه عليها ولد المعلوم نظرا لعجزه بسبب كسر ذراعه.
وبعد انتهاء مدة السجن، ووصوله إلى المستشفى في تركيا، ومع التوصيات الطبية التي تمنعه من استخدام يده، تولى مواطنه الناشط الطلابي الشيخ محمد مساعدته في مختلف شؤونه اليومية، وظل إلى جانبه طوال فترة العلاج.
يضيف ولد جدو أن رفيقه كان قادرا على العودة إلى موريتانيا بعد انتهاء مهمته، لكنه فضل البقاء في تركيا حتى خروجه من المستشفى، قبل أن يرافقه إلى إسطنبول ثم يعودا معا إلى الوطن.
معجزة السجن
ورغم ما تعرض له من كسر وإصابة، يقول ولد جدو إن أكثر ما يثير دهشته عند استعادة التجربة هو أنه لم يشعر بالألم طوال فترة الاحتجاز، لأنه تعرض بعد كسر ذراعه لسلسلة من الإجراءات القاسية والتنقلات المتواصلة، ومع ذلك فإنه لم يحس بالوجع الذي كان يتوقعه.
يصف ولد جدو بأن ما حصل هو "لطف من الله عز وجل" رافقه طوال الرحلة، لم يقتصر على الذراع المكسورة، فهو يعاني أصلا من الربو، وقد أمضى فترة الاحتجاز داخل الشاحنات المعدنية في ظروف قاسية، دون أن يشعر به، رغم أن الوضعيات التي عاشها كانت كفيلة - في الظروف العادية - بإثارة الربو.
يشدد في نهاية حديثه أن التجربة لم تغير قناعاته، فالكسر عولج، والعملية الجراحية أجريت، لكن ما شاهده لم يكن مفاجئا فهم كانوا يبحرون "نحو كيان غاصب يقتل الأطفال ويستخدم أسلحة محرمة"، لذلك لم يكن في المعاملة ما "يدهش" أو يدفع إلى "مراجعة" المواقف.
ويرى ولد جدو أن العالم بأسره مدين لغزة باعتذار، أما ما قام به هو ورفاقه، فلا يراه أكثر من "جهد المقل" ومحاولة للانضمام إلى كل فعل يذكّر بما يتعرض له سكان القطاع، ويعتذر لأهل غزة عن أي تقصير، مؤكدا أنه سيواصل السعي إلى إزعاج من يتسببون في معاناتهم بكل الوسائل السلمية المتاحة.
"عزلة للكيان تتسع"
من المظاهر التي انطبعت في ذهن ولد جدو واحتفظ بها وغيرت عقليته ونظرته للأسطول، هي رؤية المسنين الأوروبيين بمختلف الوضعيات يشاركون في الأسطول، كمسنة فرنسية تحمل معها أدوية لأمراضها المزمنة، تتجه نحو "بن غفير الذي لا يخشى الله في فعل أي شيء".
من المشاهد التي أثرت على مشاركته في الأسطول كذلك، أنه أحس بالبرد، فالتفت فإذا بطبيب إيطالي عمره 87 سنة يشاركه الوضعية نفسها، فوخز في نفسه المنظر، ولامها أنه أحس بالبرد.
الخلاصة التي خرج بها ولد جدو من تجربة الأسطول هي أن "إسرائيل أصبحت معزولة شعبيا" لأن المشاركين المسنين من أوروبا وأمريكا اللاتينية والجنوبية يتجهون نحو غزة يدركون "أن الكيان لم يعد يفرق بين جنوب الكرة ولا شمالها، ولا عربي أو غيره".
يؤكد ولد جدو أن النشطاء تملكوا قناعة مفادها أن الكيان "سينكل بالجميع" وأن التصور الذي كان عند الجميع القاضي بأن أوروبي الجنسية محمي "هي كذبة"، لأنه وهو يجثو على ركبتيه وجبهته، كان أمامه إنجليزي هو قبطان السفينة بالوضعية نفسها، وأنه لو كان للكيان جميل على دولة لكان لبريطانيا.
ساوى الكيان السجناء في المعاملة، مع مختلف جنسياتهم وصفاتهم، وفقا لولد جدو، مضيفا أن لكل قصته الفردية، و أن كل واحد حظي بنصيبه من التنكيل، ولم يسلم منه أحد بالمجمل "لا أسمر ولا أشقر ولا حنطي ولا من جنوب الكرة أو شمالها"، بينما يبقى التأثير هو "الحوادث الفردية سواء على مستواك أو مستوى نية من يتولى شؤونك بالسجن".